الطب المسند بالبراهين ومبادئه

انتشر مصطلح الطب المسند بالبراهين أو ما يعرف أيضاً بالطب المبني على الأدلة في المجتمعات في الآونة الأخيرة. وسواء كنت تعمل في المجال الطبي، أو كنت مريضاً تقصد الأطباء للعلاج، أو حتى شخصاً سليماً لا يعاني أي أسقام، فإنه لا بد أن تكون على معرفة ودراية بما يتضمنه مصطلح الطب المسند بالبراهين.

فما هو الطب المسند بالأدلة (البراهين) وما هي مبادئه؟ ولماذا أصبح ركيزة أساسية من ركائز ممارسة الطب في العصر الحديث؟

تعريف الطب المسند بالبراهين ومبادئه:

يمكن القول بأن هذا المصطلح يصف الطريقة المستخدمة في كلٍ من تدريس الممارسات الطبية، واتخاذ القرارات الطبية. فمن خلاله صار الاعتماد على وجود أدلة علمية مثبتة أثناء المعالجة، وليس فقط خبرات الممارسين ومعتقداتهم.

المبدأ الأول: معرفة أفضل الأدلة العلمية المتوفرة

تتعلق هذه الأدلة بالأدوية أو الفحوصات أو العمليات الخاصة بمرض ما أو الحالة التي يتم دراستها. فبعد تحديد المشكلة بوضوح، يتم البحث عن الأدلة العلمية المتوفرة حولها، ومراجعتها مراجعة منهجية دقيقة.

إن أي مجال علمي يعتمد غالباً على التجربة العلمية كدليل على نجاح أو فشل أي جهاز، أو اختراع، أو مقترح ما. لذلك لا يجب الوثوق في نصائح أي شخص غير متخصص أو مطلع، وإنما ينبغي أن تكون أنت كممارس في المجال الطبي أو كمريض، أكثر حرصاً على التأكد من أن أي قرار طبي سيؤخذ أو يجرى سيكون مبنياً على أسس علمية صحيحة، وليس على الأخبار المتواترة بين الناس من حولك، أو حديث غير المتخصصين.

 المبدأ الثاني: تمحيص الأدلة أو ما يعرف بالرأي الإكلينيكي

إن أحد أهم مبادئ وأساسيات الطب المسند بالبراهين هو تمحيص الأدلة المتوفرة، فبالرغم من وجود عدد كبير من الدراسات والأبحاث العلمية القوية، إلا أن هناك أيضاً عدد مهول من الدراسات الضعيفة في أصلها.

وتبعاً لهذا الأساس، فإنه يمكن أن يختلف قرار المريض أو الطبيب الممارس على حسب اختلاف وتفاوت قوة الأدلة العلمية ومصداقيتها، فمن البديهي أن تعطينا الدراسات المحكمة والقوية ثقة أكبر في نتائجها مقارنة بغيرها من الدراسات العلمية.

إن غالبية الأطباء مشغولو الوقت اليوم، وقد لا تسنح لهم الفرصة كثيراً بمراجعة وتمحيص الأبحاث المنشورة في تخصصاتهم، كما أن غالبيتهم أيضاُ غير متخصصين في طرق ومناهج البحث العلمي. ومن هنا تأتي أهمية التوصيات الإرشادية التي يُنادى بها دوماً لحضور المؤتمرات الدولية ونوادي المجلات العلمية، والمشاركة في المناقشات والأسئلة مع الزملاء الأكثر اطلاعاً واختصاصاً.

 المبدأ الثالث: معرفة قيم المريض ومبادئه وأولوياته

إن وجود الدليل العلمي لا يعد كافياً لاتخاذ القرار الطبي المناسب، إذ أن معرفة قيم المريض ومبادئه وأولوياته، والمنافع والأضرار الحاصلة من العلاج، وتوفره، وتقبل المريض له، والتأثير المادي عليه، وغيرها من القيم لا بدّ أن تؤخذ في الحسبان.

فعلى سبيل المثال، قد أثبت علمياً أن مسيلات الدم تقلل من حدوث السكتة الدماغية عند مرضى الرجفان الأذيني، ولكنها أيضاً تزيد من احتمال حدوث نزيف دموي شديد، والاسبرين أقل فعالية ولكنه لا يسبب حالات كثيرة من النزيف الشديد. لذا فإن اختيار القرار في هذه الحالة مبيني بشكل كبير على ما يفضله المريض.

غالبية المرضى قد يفضلون التقليل من نسبة حدوث السكتة الدماغية أكثر من تجنب النزيف، لذلك يلجؤون إلى المسيلات. بينما البعض منهم قد يفضل النزيف، وغض الطرف عن نسبة حدوث السكتة الدماغية، فيستخدم الاسبرين الأقل فعالية لكن الأقل تسبباً في النزيف. وعلى ذلك فقس.

إن أهمية ممارسة الطب المبني على الأدلة شيء لا يمكن تجاهله، ولكن حتى تكتمل المعادلة لا بد من وجود الحس الإكلينيكي والخبرة السريرية لدى الفريق الطبي بأكمله.

بناءً على ما سبق، فإننا لا نأمل فقط أن يرتفع وعي الأطباء والفرق الطبية بتطبيق مبادئ الطب المسند بالبراهين، وإنما أن يرتفع أيضاً وعي المريض عند اتخاذ قراراته الصحية، فلا يضع صحته وحياته رهن كلمة عابرة أو مقطع فيديو أو حديث من شخص غير متخصص! 

مقالات ذات صلة

الردود

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.